ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

74

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

بغال الطاحون فختنه ولم يؤذه ، ولا فرق بين أن تكون هذه الواقعة في بلد نعرفه أو في بلد لا نعرفه ، ولو كانت بأقصى المشرق أو بأقصى المغرب لم يكن ذلك قدحا في غرابتها ، وأما أن تذكر أنها كانت بالجزيرة العمرية في الحارة الفلانية في طاحون بني فلان ، وكان زمن الملك فلان ، فإن مثل هذا كله تطويل لا حاجة إليه ، والمعنى المقصود يفهم بدونه . فاعلم أيها الناظر في كتابي هذا أن التطويل هو زيادات الألفاظ في الدلالة على المعاني ، ومهما أمكنك حذف شيء من اللفظ في الدلالة على معنى من المعاني فإن ذلك اللفظ هو التطويل بعينه . وأما الإيجاز فقد عرفتك أنه دلالة اللفظ على المعنى ، من غير أن يزيد عليه . وهو ينقسم قسمين : أحدهما : الإيجاز بالحذف ، وهو ما يحذف منه المفرد ، والجملة ؛ لدلالة فحوى الكلام على المحذوف ، ولا يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه ؛ والقسم الآخر : ما لا يحذف منه شيء ، وهو ضربان : أحدهما : مأساوي لفظه معناه ، ويسمى التقدير ، والآخر ما زاد معناه على لفظه ، ويسمى القصر . واعلم أن القسم الأول الذي هو الإيجاز بالحذف يتنبه له من غير كبير كلفه في استخراجه ؛ لمكان المحذوف منه . وأما القسم الثاني فإن التنبه له عسر ؛ لأنه يحتاج إلى فضل تأمل ، وطول فكرة ؛ لخفاء ما يستدل عليه ، ولا يستنبط ذلك إلا من رست قدمه في ممارسة علم البيان ، وصار له خليفة وملكة ، ولم أجد أحدا علّم هذين القسمين بعلامة ، ولا قيّدهما بقيد ، وقد أشرت إلى ذلك فيما يأتي من هذا الباب عند تفصيل أمثلتهما فليؤخذ من هناك . فإن قيل : إن هذا التقسيم الذي قسمته في المحذوف وغير المحذوف ليس بصحيح ؛ لأن المعاني ليس أجساما كالألفاظ حتى يصحّ التقدير بينهما ، ثم لو سلمت جواز التقدير في المساواة لم أسلّم جواز الزيادة ، فليس لقائل أن يقول : هذا المعنى زائد على هذا اللفظ ؛ لأنه إن قال ذلك قيل : فمن أين فهمت تلك الزيادة الخارجة عن اللفظ ، وقد علم أن الألفاظ إنما وضعت للدلالة على إفهام المعاني ،